سمير بوزيد يكتب : إعفاء 917 مادة فعالة دوائية من الرسوم الجمركية و الضريبية في قانون المالية

مما لا شك فيه أن مصادقة مجلس النواب بتاريخ 14 نونبر 2025 على قانون المالية رقم 50.25 لسنة 2026، وما تضمنه الفصل 30 من إعفاء كلي وشامل لـ917 مادة فعالة دوائية (DCI) من الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة اعتباراً من فاتح يناير 2026 (مقابل 732 مادة في 2024، أي زيادة بنسبة 25.3%)، يشكل أكبر توسيع للإعفاءات الدوائية في تاريخ المغرب المعاصر ويترجم فعلياً الالتزامات الدستورية (الفصول 20، 21، 31) والدولية (المادة 12 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتوصية العامة رقم 14 للجنة الأممية 2000). استناداً إلى الوثيقة الرسمية المكونة من 96 صفحة والموقّعة من طرف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، يقدّم مركز عدالة لحقوق الإنسان (CJDH) هذا التقرير الدوري لتقييم الإجراء من جميع أبعاده الحقوقية مع الاستناد إلى معطيات رسمية موثقة.

في سياق تعزيز الحقوق المدنية والسياسية من خلال حماية الحق في الحياة والكرامة، يشكّل الإعفاء الشامل تطبيقاً مباشراً للمادة 20 من الدستور («الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان») والمادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فمع تسجيل 62.000 حالة سرطان جديدة سنوياً (السجل الوطني للسرطان 2024) ووفيات تصل إلى 13.4% من مجموع الوفيات، يزيل الإعفاء عائقاً مالياً كان يحوّل المرض المزمن إلى حكم إعدام بطيء بالنسبة لـ11.4 مليون مغربي مسجّل في التغطية الصحية (وزارة الصحة 2025). ولا مناص من القول إن خفض سعر علاج سرطان الثدي (تراستوزوماب) من 45.000 درهم للجلسة إلى أقل من 9.000 درهم، وعلاج سرطان الدم (إيماتينيب) من 25.000 درهم شهرياً إلى أقل من 5.000 درهم، يجعل الحق في الحياة حقاً مدنياً إيجابياً فعلياً وليس مجرد منع القتل المباشر.

أما في مجال إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر إزالة التمييز الطبقي في الولوج إلى الدواء، فيشكّل الإجراء تنفيذاً نادراً للمادة 31 من الدستور والمادة 12 من العهد الدولي التي تلزم الدولة بضمان «أعلى مستوى ممكن من الصحة». فعليه، مع خفض سعر علاج الكبد الوبائي C (سوفوسبوفير) من 24.000 درهم إلى أقل من 2.500 درهم، وتغطية 68.000 مريض مسجّل (البرنامج الوطني 2024)، يقلّص الإعفاء نسبة التخلّي عن العلاج لأسباب مالية من 41% (HCP/WHO 2023) إلى مستويات دنيا، مما يعزّز المساواة أمام الخدمات الصحية لـ32 مليون مستفيد من AMO في 2025.

وفيما يخص ربط الحقوق البيئية بالصحة من خلال مواجهة الأمراض المرتبطة بالتلوث والتغيّر المناخي، يستجيب الإعفاء بشكل غير مباشر لتفاقم أمراض الجهاز التنفسي والمناعية بنسبة 15% بسبب التلوث الصناعي والغبار (وزارة الصحة 2025)، من خلال إعفاء الكورتيزونات والعلاجات المناعية والربو، مما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة (الهدف 3) والتزام المغرب باتفاقية باريس للمناخ.

كذلك في إطار تصحيح الظلم الجغرافي والاجتماعي في الوسط القروي عبر ضمان وصول الدواء بثمن ميسر، يصحّح الإعفاء الظلم المزدوج الذي يعاني منه 41% من السكان في الوسط القروي (المندوبية السامية للتخطيط 2025)، حيث لن يضطر مريض الكبد الوبائي في إقليم الحوز أو تارودانت بعد اليوم لبيع ماشيته أو أرضه لشراء علاج واحد، مما يحقّق فعلياً المادة 31 من الدستور الداعية إلى تقليص الفوارق الجهوية.

أما بخصوص ترشيد المال العام بين الرأي المؤيّد والمعارض والحيادي في ضوء الأرقام الرسمية، فيكلّف الإعفاء الخزينة 4.82 مليار درهم سنوياً (مذكرة تقديم المشروع 2025)، لكنه يوفر عشرات المليارات على المدى المتوسط: علاج كبد وبائي متأخّر يكلّف 400.000 درهم، غسيل الكلى 248.000 درهم سنوياً، والسرطان المتقدّم ملايين الدراهم لـ62.000 حالة جديدة (2024). الرأي المؤيّد (الحكومة والجمعيات) يعتبره استثماراً وقائياً يقلّص النفقات العمومية بنسبة تفوق 35% (تجارب 2018-2024). الرأي المعارض (بعض الخبراء الاقتصاديين) يخشى تأثيراً سلبياً على المداخيل الجبائية وتشجيع التهريب. الرأي الحيادي (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكتوبر 2025) يطالب بمراقبة صارمة للأسعار النهائية حتى لا يستفيد المستوردون فقط.

وأخيراً في سياق اقتراحات واقعية لاستكمال الإصلاح وضمان الشفافية والفعالية، يشكّل الإعفاء لحظة تاريخية في مسار الدولة الاجتماعية، شريطة استكماله بالإجراءات التالية :

1- إحداث لجنة وطنية مشتركة (صحة-مالية-جمعيات) لمراقبة أسعار التجزئة كل ثلاثة أشهر مع غرامات فورية على أي زيادة غير مبررة.

2-  توسيع الإعفاء ليشمل المواد الأولية للصناعة الدوائية المحلية بنسبة 100% لخلق 5.000 منصب شغل بحلول 2030.

3-  إلزام وزارة الصحة بنشر تقرير سنوي شفاف يتضمن عدد المستفيدين الفعليين، نسبة الانخفاض الحقيقية في الأسعار، والتوفير المالي للخزينة والأسر.

4- تعزيز الصيدليات القروية بـ27.000 منصب صحي جديد (قانون المالية 2026) مع دعم لوجستي لتوزيع الأدوية المعفاة مجاناً في المناطق النائية.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock